محمد بن محمد ابو شهبة
445
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
وقال : فماذا ترى يا رسول اللّه ؟ قال : « قد كنت على قبلة لو صبرت عليها » « 1 » قال كعب : فرجع البراء إلى قبلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وصلّى معنا إلى الشام ، فلما حضرته الوفاة أمر أهله أن يوجهوه قبل الكعبة ، ومات في صفر قبل قدومه صلّى اللّه عليه وسلّم بشهر ، وأوصى بثلث ماله إلى النبي ، فقبله وردّه على ولده ، وهو أول من أوصى بثلث ماله . إسلام عبد اللّه بن عمرو بن حرام قال كعب - راوي القصة - : فلما فرغنا من الحج ، وكانت الليلة التي واعدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لها ، ومعنا عبد اللّه بن عمرو بن حرام - والد جابر - سيد من ساداتنا ، وشريف من أشرافنا أخذناه معنا ، وكنا نكتم من معنا من المشركين أمرنا ، فكلّمناه ، وقلنا له : يا أبا جابر ، إنك سيد من ساداتنا ، وشريف من أشرافنا ، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا ، ثم دعوناه إلى الإسلام ، وأخبرناه بميعاد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إيانا العقبة ، فأسلم وشهد معنا العقبة ، وكان نقيبا . عدّة أصحاب العقبة الثانية قال كعب : فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا ، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نتسلل تسلل القطا مستخفين ، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا ، ومعنا امرأتان من
--> ( 1 ) قال السهيلي في هذا الحديث : إنه لم يأمره بإعادة ما قد صلّى لأنه كان متأولا ، وكان باجتهاد منه ، وفي الحديث أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يصلّي بمكة إلى بيت المقدس ، وهو قول ابن عباس . وقالت طائفة : ما صلّى إلى بيت المقدس إلا مذ قدم المدينة سبعة عشر شهرا أو ستة عشر شهرا ، فعلى هذا يكون حصل في القبلة نسخان : نسخ سنة بسنة ، ونسخ سنة بقران ، وقد بيّن حديث ابن عباس منشأ الخلاف في هذه المسألة ، فروي عنه من طرق صحاح : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا صلّى بمكة استقبل بيت المقدس ، وجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس ، فلما كان عليه السلام يتحرى القبلتين جميعا لم يتبين توجهه إلى بيت المقدس للناس حتى خرج من مكة .